الفقر والتهميش والبطالة ثالوث يهدد الشباب الفلسطيني ويدفع تجاه تزايد الجريمة

 

   تحدث الباحثون والكتاّب في كل المجتمعات عن ثنائية الفقر والبطالة واعتبارهما أساس أو مقدمات تكاد تكون أكيدة لنشوء السلوكيات الانحرافية والجرمية لدى المجتمعات وتحديداً في أوساط الشباب. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هوهل هذه الثنائية تنطبق على الحالة الفلسطينية في كونها أسباب رئيسية تتفرد  في تزايد وتنامي الميل لاستخدام السلوكيات العنفية والانحرافية  أم أن هناك عوامل أخرى تلعب أو تساعد متى تواجدت في تنامي هذه الميول ؟

    إذاً  ما هي العوامل الإضافية أو المتغيرات الرئيسية التي إذا تواجدت مع الفقر والبطالة تؤدي إلى خلق واقع جديد مشحون وينذر بالخوف في المجتمع الفلسطيني ؟

    بالرجوع إلى العديد من الأحداث التاريخية التي واجهها الفلسطينيين نجد أن الشباب الفلسطيني عانى من البطالة والفقر عل مدار الاحتلالات جميعها وان كانت بنسب متفاوتة ، فلماذا تلك الثنائية لم تؤدِ إلى تزايد ميل الشباب إلى السلوكيات الانحرافية  والجرمية كما هي عليها ألان ؟ السلوكيات  العنفية سواءً الموجهة نحو الذات أو نحو الأخر، لماذا بتنا نشهد تنامي في ميل الشباب تجاه ممارسة العنف؟  لماذا اعتبرت ووفق التجربة إن تلك الثنائية  عامل موحد للفلسطينيين تاريخياً  لكل  مكوناته  الأسرية والتربوية والصحية والاقتصادية والوطنية تجاه مواجهة الفقر والبطالة  وما ترتب عليها  من  شحن للهمم وتعبئة الفجوات التي تحدثها أو تتسبب بها مشكلات الفقر والبطالة قيمياً ووطنياً وأخلاقياً كي لا تنحرف البوصلة  عن  حماية الإنسان الفلسطيني وحماية نسيجه الاجتماعي الذي شكل  ويشكل الحصانة والضمانة أمام المهددات جميعها. و توجيه الطاقات خير توجيه  تجاه  البناء والتحرر الذاتي قبل التحرر الوطني .  ومبادرات العمل التطوعي  التي قوامها الشباب الفلسطيني ، في  القرى والمخيمات والمدن الفلسطينية  على مدار  تاريخ النضال التحرري  للفلسطينيين لهي خير مثال للمواجهة الجماعية للفقر  وقلة الإمكانيات ، حتى لا يبقى أحداً وحيداً  في مواجهة صعوبات وضنك العيش مع انخراط وقيادة واسعة من قبل الشباب .  محققين بذلك تراكم قيمي  أخلاقي ووطني  من الطراز الأول في تنشئة ودمج الشباب  وتشجيعهم على المشاركة وتحمل المسؤولية واخذ الدور في دولته القادمة .

    ما الذي احدث الفارق الآن ، فالمهدد الخارجي لا زال مستمر حتى وإن تنوعت أساليبه والمتمثل بالاحتلال؟ وما السبب أو العوامل التي أدت وتؤدي إلى تزايد في السلوكيات الانحرافية والعنفية بكل أشكالها بصورة ملفتة للعيان  خلال الفترة الاخيرة. فهناك عوامل عديدة قد تكون سبباً رئيسياً وبنفس الوقت نتيجة. كسبب زيادة نسبة الملتحقين بالجامعات أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة  في صفوف حملة الشهادات  وتحديداً لدى الإناث، خصوصاً في بعض التخصصات وهذا يضاعف من ارتفاع نسبة الفقر .

    وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وصل معدل البطالة العام في فلسطين 29% للعام 2014 . وأشار الإصدار إلى أن أعلى معدلات البطالة سُجلت للفئة العمرية بين 20–24 عام ، حيث بلغت 45,6 في الربع الرابع لعام 2014. و4 شباب من بين كل 10 شباب في صفوف البطالة خلال الربع الاول لعام 2016 بحسب المصدر نفسه.

    مما لا شك فيه أنّ هناك عوامل واضحة وعوامل خفية  تساهم بشكل كبير في تعزيز الميول العنفية لدى الشباب  بالإضافة للفقر والبطالة مثال  الممارسات الاحتلالية  القاهرة ، بنفس الوقت لماذا اعتبر عامل الاحتلال وكل إفرازاته عامل موحد للفلسطينيين وعامل يدفع تجاه التعزيز الايجابي للقيم الإنسانية والوطنية  والحضارية ، عامل تتكسر عليه كل عوامل التمزيق للإنسان والمجتمع الفلسطيني . أين تكمن المشكلة ؟؟ هل هناك عوامل داخلية  ذاتية عززت و تشكل أرضيه خصبه لتنامي ارتفاع الجريمة والسلوكيات العنيفة في أوساط الشباب  الفلسطيني .

    باعتقادي وأمام جملة من العوامل أمضي  باتجاه  ترجيح  عاملاً هاماً الذي  إذا التقى مع عوامل الفقر والبطالة سيشكل ثالوث مهدد وأكثر خطورة مما لو اجتمع الفقر والبطالة معاً  ويعاني ويواجهه الشباب الفلسطيني  ألا وهو عامل التهميش أو بقول أخر الاستبعاد أو الإقصاء للشباب .

    التهميش :  فالتهميش والاستبعاد الذي وإن تعرض له أي إنسان سيشكل إسهاماً قوياً في استخدام العنف كطريقة لإثبات الوجود واثبات الذات الضائعة التي تبحث عن نفسها  لتجد مكان  . وحينما لا تجد لها مكان يسعى الأخر لجذبها وإعطائها مكانه ، وهذا ما يفسر سهولة  انضمامهم للجماعات المتطرفة  مهما كان مجال تخصصها الجرمي أو الانحرافي .

    يشير الدكتور" حامد بن شظا المرجان " أن موضوع التهميش موضوع حيوي وكاشف لطبيعة البنية الاجتماعية في أي مجتمع ، وهو ليس أمراً شخصياً ولا راجعاً إلى تدني القدرات الفردية بقدر ما هو حصاد بنية اجتماعية معينة ورؤى محددة ومؤشر على أداء هذه البنية لوظائفها ".فبنية العشيرة تشبه تماماً بنية المجتمع فشيخ او كبير العشيرة هو مركز التحكم فيها ويتفرد بتوزيع الصلاحيات والأدوار  . 

    والتهميش يزيد من حالة الاغتراب والشعور باليأس من الحياة ومحاولة إيذاء النفس والأخر .فبحسب تعريف الدكتور" ألين تودمان للتهميش فهو جملة من الإجراءات والخطوات المنظمة التي على أساسها توضع الموانع أمام الأفراد والجماعات وحتى لا يحصلوا على الحقوق والفرص والموارد وخدمات السكن والصحة ، التوظيف ، التعليم ، والمشاركة السياسة وغيرها من الحقوق المتاحة للمجموعات الأخرى ، والتي هي أساس التكامل الاجتماعي للمجموعات " .

  وأرى إنّ عامل  التهميش من أخطر العوامل التي يتعرض لها الشباب الفلسطيني ويعتبر العامل الحاسم لتزايد السلوكيات العنفية حالما اجتمع بعوامل  الفقر والبطالة . حيث  بتنا نشهدها بتزايد عدد من الظواهر المقلقة  كظاهرة تجارة وتعاطي المخدرات ، و أصبحت أخبار ضبط مزارع المخدرات والحشيش  بالأطنان  بشكل يومي على الصحف والفضائيات  حيث بلغ عدد قضايا ضبط للمخدرات لعام 2014 حتى منصف هذا العام 2630 قضية ، وهناك تزايد كبير جداً عن السابق بحسب مصدر الشرطة  عما سبقه من الأعوام .

     وتزايد مخيف في الشجارات العائلية التي روادها بالغالب هم من الشباب وتزايد ، العديد من السلوكيات العنفية والجرمية . حيث أفاد جهاز الشرطة الفلسطينية من خلال تقرير صدر عنه عن شهر تموز2015( شهر رمضان )  على وكالة معا الإخبارية  الفلسطينية مفاده أن هذا الشهر شهد أو سجل ارتفاعاً ملحوظاً بعدد الشجارات العائلية وحالات القتل حيث تعاملت الشرطة مع 974 حالة شجار وخمس حالات قتل مواطنين أثناء تلك الشجارات في شهر واحد .

    فالتهميش  لشريحة الشباب  الفلسطيني من جانب آخر  يعني عدم الإيمان بدورهم  في إدارة وقيادة الصراع ومعركة التحرر الذين هم وقودها ، وهذا يعني الإقصاء وعدم الثقة بقدراتهم على القيادة والشراكة وكأنّهم أصبحوا يروا في أنفسهم  أي الشباب أنّهم كالماء الضروري لدوران الساقية وبنفس الوقت لا يحددون اتجاهها ، أو كأنّهم الوقود الذي يطيل عمر القادة وليس عمر وحياة القضية . فالتهميش يعني للشباب أنّ قادة هذا البلد لا زالوا يؤمنوا ويمارسوا التفكير نيابةً عنهم فيما يتعلق بمستقبلهم وأمنهم واحتياجاتهم .

    هذا الثالوث البطالة والتهميش والفقر عندما تجتمع عناصره مع اتساع مجال ممارسة الحرية الفردية الشكلية وزيادة وتطوير الميول الاستهلاكية والإغراق في الماديات  وثورة الاتصالات ، يعمق من فجوة الانخراط  الجاد في الحياة  لإيجاد مكانه لهم والانغماس في قضايا وهموم شعبهم ، لأنه تم إعفائهم من المسؤوليات عندما تمت مصادرة إحساسه بذاته وثقته بنفسه وقدرته على التغيير في مجاله العام وفقدان ثقته بالتأثير والتغيير في مجاله الخاص نحو الأفضل .

    هذا الثالوث الفلسطيني يعكس  نفسه بحالة من الإحباط أيضا يعبر عنها بطرق غير سوية وغير صحية مرضية في الغالب كالعزلة والاغتراب وفي أقصاها الانتحار، وحالات الانتحار تحديداً في أوساط الشباب حيث سجلت إحصائيات جهاز الشرطة لعام 2014 --310 محاولات انتحار  78 ذكور و232 إناث ، وانتحار تام 10 حالات 4 ذكور  و6 إناث  وعن العام 2015  حتى شهر حزيران وثق 185 محاولة انتحار 55ذكور 130 إناث وانتحار تام 3 إناث فقط    وحالة  محاولة الانتحار التي حدثت على سبيل المثال  للخرّيج العاطل عن العمل في قطاع غزة لصاحب البسطة المعروفة "بروتس للذرة "  "محمد أبو عاصي " قبالة  أفخم الفنادق (فندق روتس )على ساحل غزة  نتيجة مصادرة وتهديد مصدر رزقه الأساسي عندما اجتهد للتغلب على حالة الفقر  واقترب من  مصالح الناس المتنفذة ببسطته أمام الفندق ، فمحاولة الانتحار لم تكن بسبب كونه خرّيج ولم يجد عملاً على شهادته  ، فقد وجد ضالته ويعيل أسرته  من عمله على البسطة ، وإنما نتيجة اقترابه من مصالح الجهات المتنفذة  التي حاولت إقصائه وتهميشه ، وخير تعبير كان على لسانه بعد أن تعافي "أننا نشعر بالضياع ". وسبقها محاولات انتحار عديدة في أوساط الشباب منها ما نجحت ومنها ما فشلت ، يُشار  لها من خلال الإعلام بالاستناد للتقارير  الشرطيّة الدوريّة بشكل ملفت للعيان.

    فتراجع المؤسسات عن قيامها بدورها  تجاه احتياجات الشباب بمختلف تخصصاتها أو عدم إمكانيتها الإيفاء بالمتطلبات المتجددة الضرورية لمكافحة تحديات العصر والمرحلة من مؤسسة الأسرة ، والتربية والتعليم ، والمؤسسة الصحية والثقافية ، و على رأسها الأحزاب الوطنية ،                                                    يعمق من حالة الفراغ لتسد العشيرة والقبلية وأجندة الآخر  ويصبح الشباب أكثر التصاقاً بها.

    وما ا لاستمرار في سياسة التهميش لهم داخل الأحزاب  والمؤسسات الوطنيّة إلا تعميق  من حالة  الفجوة مما يساعد  من انحراف بوصلة الشباب وسيسهل استقطابهم  لمختلف التيارات العنيفّة المتطرفة ، وخاصةً وأنّ الشباب ليسوا جزءاً من موازين القوى وليسوا جزءاً من  الصراع على  الكراسي الكبيرة الآن داخل الفصائل الفلسطينية وعلى تجديد عضوية المؤسسات التمثلية الرئيسية للفلسطينيين مثل منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني  وتشكيلة البلديات والمجالس القروية ، فالمعركة مقتصرة على المسنين من كل الفصائل  والشباب ليسوا على قوائم الترشيح  وليسوا في معادلة التنافس داخل الأحزاب السياسية جميعها على تلك العضويّة . لأنها تقتصر على من يعتقد أنّه ينوب عن الشباب وهذا يعمق من الفجوة والتهميش ،  وكأنّ الشباب خارج هذا الإطارـ إطار مستقبلهم وحياتهم ـ . مما  يجعلهم  بعيدين  حتى عن تبادل المصالح والمنافع  فهم ليسوا منها  وصوتهم لا جدوى منه كونهم موجودين في  الهيئات القاعديّة لتلك الأحزاب وهذا هو التهميش  مما يسهل  استقطابهم وجرهم إلى جماعات أو تنظيمات تغطي هذه الفجوة وتعيد ثقتهم بأنفسهم بطريقة مشوهه .

    لذلك على من يتبادلون المنافع والمصالح ضمن الأبنية التنظيمية  السياسية المجتمعية المختلفة أن يعملوا على إغلاق تلك الفجوات والوقوف أمام هذا الثالوث  وإغلاق الطريق أمام جر المجتمع الفلسطيني برمته للهلاك من خلال أهم شرائحه ألا وهم الشباب   وللباحثين العمل أكثر تجاه فهم الانعكاسات الكلية لعامل التهميش وكيف يلقي بظلاله على الحالة الفلسطينية بشكل عام والذي  يشكل سداً أمام حماية النسيج الاجتماعي الفلسطيني وبأهم مكون له وهو الإنسان .

Palestinian employees process data on their laptops in Gaza City, Jan. 15, 2015. (photo by REUTERS/Mohammed Salem)